الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
350
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قد اختلفوا فيما مضى فلم يكونوا أمّة واحدة ، ثم لا يدري هل يؤول أمرهم إلى الاتّفاق في الدّين فأعقب ذلك بأنّ الاختلاف دائم بينهم لأنّه من مقتضى ما جبلت عليه العقول . ولمّا أشعر الاختلاف بأنه اختلاف في الدّين ، وأنّ معناه العدول عن الحق إلى الباطل ، لأنّ الحق لا يقبل التعدّد والاختلاف ، عقّب عموم وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ باستثناء من ثبتوا على الدين الحق ولم يخالفوه بقوله : إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ، أي فعصمهم من الاختلاف . وفهم من هذا أنّ الاختلاف المذموم المحذّر منه هو الاختلاف في أصول الدّين الذي يترتّب عليه اعتبار المخالف خارجا عن الدين وإن كان يزعم أنّه من متّبعيه ، فإذا طرأ هذا الاختلاف وجب على الأمّة قصمه وبذل الوسع في إزالته من بينهم بكلّ وسيلة من وسائل الحقّ والعدل بالإرشاد والمجادلة الحسنة والمناظرة ، فإن لم ينجع ذلك فبالقتال كما فعل أبو بكر في قتال العرب الذين جحدوا وجوب الزكاة ، وكما فعل عليّ - كرّم اللّه وجهه - في قتال الحروريّة الذين كفروا المسلمين . وهذه الآية تحذير شديد من ذلك الاختلاف . وأما تعقيبه بقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ فهو تأكيد بمضمون وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ . والإشارة إلى الاختلاف المأخوذ من قوله : مُخْتَلِفِينَ ، واللّام للتعليل لأنّه لمّا خلقهم على جبلّة قاضية باختلاف الآراء والنزعات وكان مريدا لمقتضى تلك الجبلّة وعالما به كما بيّناه آنفا كان الاختلاف علّة غائية لخلقهم ، والعلّة الغائية لا يلزمها القصر عليها بل يكفي أنها غاية الفعل ، وقد تكون معها غايات كثيرة أخرى فلا ينافي ما هنا قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] لأنّ القصر هنالك إضافيّ ، أي إلّا بحالة أن يعبدوني لا يشركوا ، والقصر الإضافي لا ينافي وجود أحوال أخرى غير ما قصد الردّ عليه بالقصر كما هو بيّن لمن مارس أساليب البلاغة العربية . وتقديم المعمول على عامله في قوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ليس للقصر بل للاهتمام بهذه العلّة ، وبهذا يندفع ما يوجب الحيرة في التفسير في الجمع بين الآيتين . ثم أعقب ذلك بقوله : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لأنّ قوله : إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ يؤذن بأنّ المستثنى منه قوم مختلفون اختلافا لا رحمة لهم فيه ، فهو اختلاف مضاد للرحمة ، وضدّ النعمة النقمة فهو اختلاف أوجب الانتقام .